محمد عبد الله دراز

314

دستور الأخلاق في القرآن

إلى حلّ ثالث . ولكن هذه القوى مجتمعة ، بما فيها آخرها ، وأكثرها مباشرة ، لا تستطيع أن تفسر وحدها عمل الإرادة الحاسم ، فهي سببه الكامن ، ولكنها ليست السّبب الكامل ، ويتمثل عملها في كونها نوعا من الدّفع والتّحريض ، أكثر من كونها نوعا من التّسبيب . ولا ريب أنّها ببراهينها المقنعة ، أو نداءاتها العاطفية ، تتوق إلى أن تنتزع منا قرارا ، ولكنها لا تبلغ أن تكرهنا من أجل الحصول عليه ، فكأنّ دورها مقتصر بطبعه على إعداد السّجل ، والدّفاع عن القضية . وقد يبلغ وزن تأثيرها علينا بهذه الوسيلة أن تميل بنا إلى هذا الحلّ ، أو ذاك ، ولكن المنحنى الّذي ترسمه لنا بهذا التّأثير لا يكون حلقة محكمة ، وعلينا نحن ، إما أن نقوم هذا المنحنى ، أو نستمر في حركته الّتي بدأت ، كيما ننهيه ، ( أو بالأحرى نتقدمه لنقابله في منتصف الطّريق ) . وعلى ذلك ، فبهذه العوامل وحدها يبقى عمل الإرادة ، وكذلك موضوعها ، في عالم الممكن ، فمن أجل أن نحقق وجود ممكن واحد من بين ممكنات كثيرة يلزم « عامل جديد » ، ضغطة إبهام تفتح له الطّريق إلى عالم الواقع . هذا العامل الجديد هو تدخل « ذاتنا الكلية » بنشاطها « التّركيبي » ، لتحسم المناقشة ، وتصدر حكمها النّهائي ، الّذي لا قيمة لسواه ، وفي ثناياه كلّ النّتائج الأخلاقية . والواقع أنّ ذاتنا غير المنقسمة هي الّتي تتركز جملة في القرار ، في هذه اللحظة الحاسمة ، فهي الّتي تحكم نهائيا على قيمة هذا الهدف أو ذاك ، وهي الّتي ترجح دافعا على آخر . وليس من النّادر بالنسبة إلى الجانب الأضعف سلاحا خلال المداولة - أن يحرز قصب السّبق في القضية ، بفضل معروف يريد قاضينا أن يسديه إليه في النّهاية . وإذن فهذه الذات العليا ترقب دائما التّأثير